تعريف هذا العالم : يختلف عالمالجن اختلافا كليا عن عالم الملائكـة و الانسان،فكل له مادتـه التي خلـقمنها ، وصفاته التي يختلف بها عن الأخر، الا أن عالمالجن يرتبط مع عالمالانس من حيـث صفـة الادراك وصفة العقل والقدرة علـى
اختيار طريق الخيروالشر.
وأبو الجن هو ابليس كما أن أبو الانسان آدم عليـه السلام . أماطبيعـة خلقتهم فقدأخبرنا الله عز وجل عنهم أنه خلقهم من نار، كما قالتعالـى (والجـان خلقناهـهم من قبل من نار السموم ) وقوله عز وجل ( وخلقالجان من ما رج من نار) . وقد فسر أهل العلم من السلف الصالح قوله ( مارج مننار) هـو طرف اللهب ومنهــم ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن وغيره ،وقال النـووي ” المارج اللهب المختلط بسواد النار ” . أما الانسان فقد خلقمن طين كما أخبرنا عـز وجل بقولـه( قـال مـا منعك ألا تسـجد اذ أمـرتك قـالأنا خيـر منـه خلقتـني مـن نـار وخلقـته من طين) وفـي قـوله سبحانه (فاستفتهم أهم أشـد خلقـا أم من خلقنا اناخلقناهم من طين لازب ) وكذلك كماورد فـي الحديث الذي أخرجـه مسـلم عـن عائشة ، عن النبي صلي الله عليه وسلمقـال : ” خلقـت الملائكة من نـور، وخلـق الجان من مارج من نار، وخلق أدم مماوصف لكم “. وقد خلـق الجان قبـل الانسان وسكن الأرض قبله ، بدليـل قـول اللهعـز وجل( ولقد خلقنـا الانسان مـن حمـأمسنون *والجان خلقناه من قبل من نارالسموم * ) .
أنواع الجن و أصنافهم :
وينقسم الجن الى ثلاثة أصنافكما صنفهـم لـنا رسـول الله صلي الله عليه وسلـم قال : “الجن ثلاثة أصناف ،فصنف يطير فـي الهواء ، وصنـف حيـات وكـلاب، وصنف يحلون ويضعنون ” رواهالطبراني ، والحاكم ، والبيهقـي باسنـاد صحيـح.وقد أمـرت الجن وكلفت كـماكلف الانسان ، فـهم مأمورون بالتوحيد و الأيمـانوالطاعة والـعبادة ، وعـدمالمعصيـة والبـعد عن الظلـم وعدم تعـي حدود الله ، فمسلمهم مسلم، ومؤمنهممؤمن، وكافرهم كافـر ، والمطيـع منهـم لله ورسولـه،يدخل الجنة ومن أبى دخلالنار سواء بسواء، مثلهم مثل الانسان والدليـل من قولـه عزوجل( وما خلقتالجن والانس الا ليعبدون ). اذا هم خلـق من خلـق الله ومـن ينكرهم فانه يكفرللأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة . وقد وجـد مـن ينكرهـم قديمـاوحديثا . ولا يضيرنا ذلك منهم . والذي يهمنا أنـهم حقيقة لاشـك فيهـا ولا مريـة لمـاسيترتب علـى مـا سوف نسرد مـن أخبارهم وأحوالهـم، وربنا وربهم الله .
هلالجن يأكلون ويشربون :
و حيث أن مثل هذه الأمـور الغيبية في أحوال الجنالذين لا نراهم، توجب علينـاكأمـة مسلمة تؤمن بالغيب، أن نؤمن بكلالمغيبات التي وردت في الجن وذلك لمـايتصف به المؤمنون من الايمان بالغيبكما قال عز وجل وعلا شأنـه ( آلم * ذلكالكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيـب ويقيمـون الصـلاة وممـارزقناهم ينفقون * والذينيؤمنون بما أنزل اليك وما أنـزل من قبلك و بالأخـرة هميوقنون * ) . وموضوعالجن أمدنا فيه رسـول الله بالخبر اليقيـن ، فاليـك أخـيالمسلم المؤمن هذهالأدلة الصادقة من عند الذي لا ينطق عن الهوى .ففي صحيح البخاري عن أبيهريرة ـ رضـي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليـه وسلم ـ أمره أن يأتيهبأحجار يستجمر بها ، وقـال له: ” ولا تأتيني بعظم ولا بروثة“ولما سأل أبوهريرة الرسول صلى الله عليه وسلـم، بعد ذلك عن سر نهيه عن العظم و الروثة ،قال:”هما من طعام الجن ، وانه أتاني وفـد نصيبين ، ونعم الجن ،فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم : ألا يمروا بعظم و لا روثـة الا وجدوا عليها طعاما” . وفـيصحيح مسلم عن ابن مسعود عن رسول الله صلـى الله عليه و سلم أنه قـال ” أتانيداعي الجن فذهبت معه ، فقرأت عليهـم القرآن ، قـال : فانطلق بنافأرانا آثارهـموآثار نيرانهم ، فسألوه الزاد فقال : ” لكم كل عظم ذكر اسمالله عليه يقع في أيديكـملحما، و كل بعرة علف لدوابكم” فقال النبي صلىالله عليه و سلم :” فلا تستنجوا بهمافانهما زاد اخوانكم ” . و في سننالترمذي باسناد صحيح : ” لا تستنجـوا بالـروث ،ولا بالعظام ، فانه زاداخوانكم من الجن” و قد أخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم ، أن الشيطانيأكل بشماله و أمرنا بمخالفته في ذلك . وقد روى مسلم في صحيحه عنابن عمررضي الله عنهما أن النبـي صلى الله عليه و سلم قال:” اذا أكل أحدكم فليأكلبيمينه، و اذا شرب فليشرب بيمينه، فـان الشيطان يأكل بشماله ويشـرببشمالـه“. و في مسند الامام أحمد ” من أكل بشماله أكل معه الشيطان، و منشرب بشماله شربمعه الشيطان” . وكما أن الأنسان المسلم منهي عن أكل اللحمالذي لم يسمى عليه أسـمالله ، فان الجن المسلم أيضا منهي عن أن يأكل لحمالميتتة لانه لـم يذكـر اسـم اللهعليهـا. لذا فقد ترك اللحم الذي لم يذكراسم الله عليه يأكلـه المشركـون ، و الذيـنيذبحون لغير الله و الشيطان علىشاكلتهم. لذا نستنتج أن الميتتة أكل الشيطان. و قـداستنبط ابن القيم رحمهالله من قوله تعالى( انما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلامرجس مـن عمـلالشيطان) أن المسكر من شراب الشيطان، فهو يشرب من الشرابالـذي عملهأولياؤه بأمره ، وشاركهم في عمله ، فيشاركهم في شربـه ، و اثمـه وعقوبته.
أيـن يعيـش الجـن وأيـن يسكـن :
كما أسلفنا فان الجن هي أمة منالأمم ، وطالما أن الله عز وجل هو خالقهم فانه عـز وجل لم يخلق عباده عبثا،ولم يتركهم هملا، تماما ككل المخلوقات في السماء أو فـيالأرض أو في جوفالبحر، فان لكل نظامه وحياته، فالسمك يعيـش في المـاء ولـوأخرج منه لمات،و الانسان والطير وكثير من الحيوان الذي يعيـش فـوق الأرض لوأدخل في البحرلماتوا جميعا، لأن الخالق سبحانه جعل لكل نظام وغذاء و حياة تختلفعنالأخر. والجن لهم حياتهم ومعاشهم و أكلهم وشربهم ،ولهم أماكن يسكنـون فيها أومختصة بهم، وقد يشاركوننا في بعض الأماكن . فهم يسكنون في الأحراشوالخراباتوبيوت الخلاء ، وفي مواضع النجاسات والمقابر. وكما يقول شيخالاسلام ابن تيمية ، (يأوي الى كثير من هذه الأماكن التي هـي مأوىالشياطين، الشيوخ الذين تقترن بهمالشياطين، ويتواجدون في أماكن اللهو وفيالأسواق حيث يكثر تواجدهم لاضلال الناسوافسادهم،و قد أوصى الرسول صلي اللهعليه وسلم أحد أصحابه قائلا :”لا تكونن اناستطعت أول من تدخل السوق ، ولاآخر من يخرج منها ، فأنها معركة الشيطـان ،وبها ينصب رايته ” رواه مسلم فيصحيحه ).فالجن أيضا تعيش في منازلنا ومعنا ولكن لا نراهم، وقد يأكلون معناويشربون معنـامن حيث لا نراهم لاستتارهم عنا، لقوله عز وجل ( انه يراكمهـو و قبيله من حيـثلا ترونهم) . الا انه قد يتشكل في بعض الأحيان، وهذاما سنتطرق اليه في حينه فـيقصته مـع أبي هريرة رضي الله تعالي عنه، وكي لايشكل هذا الأمر علـى البعضفأحيانا نذكر الجن و أحيانا أخرى نذكر الشيطانفما هي العلاقة بينهما ؟هـل الشيطـان أصلـه مـن الجـن :
كما تقدمفقد ذكرنا أن الشيطان أبو الجن كما أن آدم أبو الانس ، والظاهر مـنسياق القرآن أن الشيطان من الجن كما في قول الله عز وجل( و اذ قلناللملائكـة اسجـدوالآدم فسجدوا الآ ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء مندوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) . فهذادليـل واضح جلـي بـأن الشيطـانأو ابليـس كان من الجن ، ففسقه وعدم تنفيـذأوامر الله وغروره، كـان سببـا فـي أبلسة الله له، كما أن شيطنتـه أبعدتهمـن رحمة الله، فأختلف الناس في ذلك فمنهممن قال بهذا ومنهم مـن قال بغيره . وذكر شيخ الاسلام ابن تيمية ، في مجمـوعالفتـاوى ج/4 235ص346 (انه يذهببالقول بأن الشيطان أصل الجن كما أن آدمأبو الانس) .
تشكـل الجـنأو الشيطـان :
ان من رحمة الله سبحانه و تعالى بخلقه من الانس ، أن جعلالشيطان و حزبه مـنالمردة و العفاريت وغيرهم فيما يدخل في مضمون الجن،غير مرئيين لهـم، لأنـهسبحانه و تعالى يعلم بأن أشكالهم قبيحة ، و قدتكون أعيـن البشـر و عقولهــم لاتستوعب البشاعة التي خلق عليها الشياطين . و قد ذكر الله لنا ذلك في محكم التنـزيلواصفا قبح الشيطان بأن شبه لناشجرة الزقوم التي تنبت من أصـل الجحيـم برؤوسالشياطين لما علم من قبحصورهم و أشكالهم ، فقال عز و جل( انهـا شجرة تخـرجفي أصل الجحيم* طلعهاكأنه رؤوس الشياطين *) .و قد ذكر لنا النبي صلى الله عليهو سلم ” أنللشيطان قرون و أن الشمس تخرج بين قرني شيطان ” و فـي البخـاريو مسلم قولهصلى الله عليه و سلم “اذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ،و لاتحينوا بصلاتكم طلوع الشمس و لاغروبها، فانها تطلع بين قرني شيطان “. ومنهذا كله يتبين لنا أن منظر الشيطان أو الجن أو ابليس بشع لنا كبشر للنظراليـه، و لايستطيع انسان كائن من كان من دون الرسل و الانبياء ، أن يرىالشيطان على حقيقةخلقته التي خلقه الله عليها كما يدعي البعض من الناسالجهلة و ذلك لقوله عز وجل (انه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم ) .أماالانبياء و الرسل فالله يريهم ما يريدو ما يشاء . و لكن الشيطان أو الجنيستطيع أن يتحول من خاصيته التي خلقـه اللهعليها الى خاصية أخرى كأن يكونفي صورة كلب أو حية أو عقـرب أو صـورةانسان أو ما الى ذلك . كما حدث فيعهد النبـي صلـى الله عليـه وسلـم، اذ رأىالشيطان في أكثر من موضع و بصورلاشخاص معروفين و اشخاص غير معروفين و قد حدث ان كان رسول الله صلى اللهعليـه و سلـم يحـدث أصحـابه فيدخـلعليهم رجل غريب ، نتن الريحة ، قبيحالمنظر، مقطـع الثيـاب فيخبرهـم النبـيصلى الله عليه و سلم انه الشيطانجاء يشككهم في أمر دينهم . و اليك أخي القارىءهذه القصة الطريفة التي جرتمع ابي هريرة رضي الله عنه و رواها البخاري ، قالأبو هريرة رضي الله عنه : وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحث من الطعام ، فأخذته، و قلت : و الله لأرفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: أنيمحتاج، و علي عيال ، و لي حاجة شديـدة، قـال: فخليـت عنـه ،فأصبحت فقالالنبي صلى الله عليه و سلم” يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك البارحة ؟” قال: قلت: يا رسول الله شكـا حاجـة شديدة و عيـالا ، فرحمته، فخلـيت سبيلـه،قال ” اما انه كذبك و سيعود “، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلـى اللهعليـه وسلم انه سيعود ، فرصدته ، فجاء يحثو مـن الطعـام فأخذته ، فقلـت :لأرفعنـكالى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال: دعني فاني محتـاج ،وعلـي عيـال ،لا اعود ، فرحمته ، فخليت سبيله، فأصبحت ، فقال رسـول اللهصلى الله عليـه وسلم :” يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك؟” قلت : يا رسول اللهشكا حاجة شديدة و عيالافرحمته . فخليت سبيله قال:” اما انه كذبـك و سيعود” ، فرصدته الثالثـة ، فجـاءيحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك الىرسـول الله صلى الله عليه و سلـم ،وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ،ثم تعـود ! قال: دعنـي أعلمـك كلماتينفعك الله بها ، قلت ما هـو؟ قـال: اذا أويـت الى فراشـك فاقـرأ آيـة الكرسـي
(الله لا اله الا هو الحيالقيوم) حتـى تختم الآية ، فانك لن يزال عليك من الله حافظ ،و لا يقربكشيطان حتى تصبـح ، فخليـت سبيله، فأصبحت ، فقال لي رسـول اللهصلى اللهعليه و سلم:” ما فعل أسيرك البارحة ؟” قلت : يا رسول الله زعم أنه يعلمنيكلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله ، قال:” ما هي ؟ ” قلت: قال لي : اذاأويـت الىفراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم ( الله لا اله الا هـوالحـي القيـوم )،و قال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ، و لا يقربك شيطانحتى تصبح، و كانـواأحرص شيئا على الخير ، قال النبي:” أما انه صدقك و هوكذوب ، تعلم من تخاطبمنذ ثلاث ليالي يا ابا هريرة ؟ ” قال: لا ، قال: ” ذاك شيطان ” .
هـل حقـا دخـول الجـن في جسـد الانسـان :
بدأت العداوةبين الشيطان والانسان منـذ اللحظة التي خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليهالسلام، بل من قبل ذلك عندما كان آدم عبارة عن جسد، وقبل أن تنفـخ فيهالـروح،فقد كان جثة هامدة من طين أتى اليه الشيطان فرآه أجوفا ، فكانيدخـل مـن فمـهويخرج من دبره ويدخل من أنفه ويخرج من أذنه وهو أجوف. والشيء اذا كان أجوفافانه يكون غير متماسكا لذا كـان يقول لـه: ان لك لشأناولئن أمرت بك لأعصين ،ولئن سلطت عليك لأهلكنك. وقد ورد في صحيح مسلـم عنأنس أن رسول الله عليهوسلم قال:” لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما شاءالله أن يتركـه ، فجـعل ابليسيطيف به ،ينظر مـا هو ،فلما رآه أجوف عرف أنهخلق لا يتماسك ” . وعندمـا نفخالله الروح في آدم وأسجد الملائكة له ، أبيواستكبر وفضل نفسـه علـى آدم وهـو الذي كان من أعبدهم لله ، فغرته نفسهفكيف يسجد لهذا الذي خلق من طيـن فتعالـىعلى الله ولم ينفذ الأمر الذي صدرمن الله له وللملائكة ، فاستجابت الملائكة وعاند هوورفض ذلك و استحق أنيطرد من رحمة الله وأن يخرجه الله من الجنة لأنها لا يكونفيها متكبر متعالمـن خلق الله .فاذا علمنا هذا، علينا أن نعلم أن الأمر لم يتوقف عندهذاالحد ،فحسب بل تعداه الى ما هو أبعد مـن ذلك،وهو توعده لآدم وذريتهبالاغواء والاضلال و الاحتناك ، وانه سوف يأمرهم بتغيير خلق الله ، وقدأمهله الله عز وجلالي يوم البعث . ولله حكمة بالغة فـي ذلك ، و الا فانالله قادر على أن يهلكـه فـيتلك اللحظة .لذا ذكر لنا الله سبحانه هذاالتفصيل في قوله عز وجل( قـال أرأيتك هذاالذي كرمـت عـلي لان أخرتن الـىيوم القيامة لأحتنكن ذريته الا قليـلا) . وفـي قوله( و لأضلنهـم و لأمنينهمولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق اللهومن يتخذ الشيطانوليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) . والآيات في هذا كثيرةجدا،فالعداوة حاصلة وستستمر ببقاء الدنيا لأن الشيطان يعتقد أن سبـب خروجه منالجنة وطرده من رحمة الله انما كانت بسبب آدم وليس باستكباره واستعلاءه . فلذلـكسوف يستمر بالانتقام من ذرية آدم بعد أن كان هو سببا في خروج أبينامن الجنـة. ولـو نظرنا نظرة متأمل لوجدنا أن الله ابتلى آدم بالشيطانوابتلى الشيطان بآدم حتىتملأ الجنـة بعبـاد الله المتقين وتملأ الناربالكفرة والمشركين والمنافقين والعاصين .فلله في خلقه شؤون , وله الحكمةالبالغـة .
ولذلك نجد أن أول مسة يمس الشيطان فيها الانسان ساعة ولادتهوهـذا ثابت بالدليل ففي البخاري ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ـ :”كـلبني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ، ذهبيطعن، فطعن في الحجاب“.وفـي البخاري أيضا ” ما من بني آدم مولود الا يمسهالشيطان حين يولد ، فيستهـلارخا من مس الشيطان، غير مريم وابنها”. والسببفي حماية مريم وعيسى أن الله استجاب دعوة أم مريم( و اني أعيذها بك وذريتهامن الشيطان الرجيم) . فهـذا أول ايذاء للشيطان لأي مولود يولد من ذرية آدم. فكل هذه المقدمة والاستدلالات من الآيات الواضحات والأحاديث النبويةالثابتات انما تمهيد للموضوع الرئيس في هذا الباب وهو تلبس الشيطان في جسدالانسان وهو ما يسمى بالصرع. وقد تكلم فيـه الكثيرون مـنالعلماء خلفا عنسلف . وقبل الدخول في أقوال أهل العلم والتفصيل فيها نود أن نعرج الى قائدالمعلمين صلى الله عليه وسلم ونري هل حدث شيء من هذا فـي عهده ؟ فهوقدوةالناس أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم . فما ثبت في عهده فهـو الحقالمسلم به وما لم يثبت فليس بصحيح .
نعم لقد حصل ذلك في عهد النبيصلى الله عليه وسلم في اكثر من مـرة ودليـل منحفظ أقوى على من لم يحفظ . ففي سنـن أبى داود ومسند أحمد ( عـن أم أبان بنتالوازع بن زارع بن عامرالعبدى ، عن أبيها ، أن جـدها الزارع انطلـق الى رسولالله صلى الله عليهوسلم ،فانطلق معه بابن له مجنون ، أو ابن أخت له مجنون ، قالجدي : فلماقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : ان معي ابنا لي أو ابنأخت مجنون ، أتيتك به تدعو الله له ، قال ” أئتني به “، قال: فانطلقت به اليه وهو فيالركاب فأطلقت عنه ، وألقيت عنه ثياب السفر ، وألبسته ثوبين حسنين، و اخذتبيدهحتى انتهيت به الى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : ” أدنوه مني ،اجعـل ظهرهممـا يليني ” قال بمجامع ثوبه من أعلاه و أسفله ، فجعـل يضربظهره حتى رأيتبياض ابطيه، و يقول : ” اخرج عدو الله ،اخرج عدو الله” ،فأقبل ينظر نظر الصحيحليس بنظره الأول . ثم أقعده رسول الله ، صلى اللهعليه و سلم، بين يديه ، فدعا لـهبماء فمسح وجهـه و دعـا له فلم يكن فيالوفد أحد بعد دعوة رسول الله- صلى اللهعليه وسلم – يفضل عليه . و في مسندالأمام احمد أيضا عن يعلى بن مرة قال: رأيتمن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ثلاث ما رآها أحد قبلي ، و لا يراها أحد بعدىلقد خرجت معه في سفر حتىاذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معهـا صبيلها ، فقالت يا رسولالله : هذا الصبي أصابه بلاء و أصابنا منه بلاء يؤخذ في اليوملا أدري كـممرة ، قال : ” ناوليني ” فرفعته اليه ، فجعله بينه و بين واسطة الرحلثمفغر، فاه ، فنفث فيه ثلاثا، و قال : ” بسم الله ، انا عبد الله ، اخسأ عدو الله ” ،ثم ناولها اياه فقال: ” القينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا مـا فعل“،قال فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها ثلاث شياه ، فقال : ” مافعل صبيك ؟ ” فقالت: و الذي بعثك بالحق ما أحسسنا منه شيء حتى الساعة ،فاجتـرر هذه الغنـم ، قال : ” أنزل خذ منها واحدة و رد البقية ” . وبهذا الذي تقدم من حديث المصطفى صلى الله عليه و سلم و كفى بهما حديثينجليينعظيمين ترد على كل متأول أفاك كاذب لا يؤمن بدخول الجن في داخل جسدالأنسي. أما ما حدث من سلفنا الصالح و التابعين فهو كثير جدا، و نؤخذ منهمثلا من امام أهلالسنة و الجماعة الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ورحمـه الله.( روي أن الامامأحمد كان جالسا في مسجده اذ جاءه صاحب له منقبل الخليفة المتوكل ، فقال : انفي بيت أمير المؤمنين جارية بها صرع ، وقد أرسلني اليك ، لتدعو الله لها بالعافية،فأعطاه الأمام نعلين من الخشب( أي قبقابين) و قال : اذهـب الى دار أميـر المؤمنينواجلس عند رأس الجارية وقل للجني : قال لك أحمد : أيما أحب اليك : تخـرج منهذه الجارية ن او تصفعبهذا النعل سبعين ؟ فذهب الرجل و معه النعل الى الجارية و جلس عند رأسها ،و قال كما قال له الامام أحمد، فقال المـارد على لسان الجارية : السمع والطاعة لأحمد ، لو أمرنا أن نخرج من العراق لخرجنا منه ، انه أطاع الله ومن أطاع الله أطاعه كل شيء . ثم خرج من الجارية فهدأت ، و رزقت أولادا . فلمامات الامام عاد لها المارد ، فاستدعى لها الأمير صاحبا من أصحاب احمد، فحضر ،و معه ذلك النعل ، و قال للمارد : اخرج و الا ضربتك بهذه النعل. فقال المارد : لاأطيعك و لا أخرج ، أما أحمد بن حنبل فقد أطاع الله فأمرنابطاعته ).وقد ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ، أن صرع الجنللانس قد يكونعن شهوة وهوى وعشق كما يتفق للانس مع الانس . وهذا تلميذشيـخ الاسـلام ابنالقيم في كتابه القيم ” الطب النبوي ” يذكر لنا حديثويفصل فـي موضـوع الصرعوتلبس الجن، فيقول: ( أخرجا في الصحيحين ،من حديثعطاء بن أبي رباح ، قال : قال ابن عباس : ” ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟قلت بلى. قال:هذه المرأة السوداء،أتت النبي صلي الله عليه وسلم ، فقالت : اني أصرع ، وانى أتكشف ، فـادع الله لى.
فقال : ان شئت صبرت ولك الجنة ،وان شئت دعوت الله لك أن يعافيك ، فقالـت : أصبر . قالت : فانى أتكشف ،فادع الله أن لا أتكشف . فدعا لها” ).هذا ما كان من المرأة السوداء ، قالابن القيم ( الصـرع صرعـان : صرع مـنالأرواح الخبيثة الأرضية ، وصرع منالأخلاط الرديئة . والثاني هو الذي يتكلم فيـه الأطباء في سببه وعلاجه . وأما صرع الأرواح: فأئمتهم وعقلائهم يعترفون به ، ولا يدفعونه . ويعترفون : بأنعلاجه مقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية ، لتلك الأرواح الشريرةالخبيثة ، فتدفع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها . وقد نص على ذلك أبقراط فيبعض كتبه ، فذكربعض علاج الصرع ، وقال :هذا انما ينتفع في الصرع الذي سببهالأخلاط والمـادة وأما الصرع الذي يكون من الأرواح ، فلا ينفع فيه هذاالعلاج . أمـا جهلة الأطباء و سقطهم و سفلتهم ، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة،فأولئك ينكرون صـرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع . وليسمعهم الا الجهل ). ونكتفي الي هنا بمـا ذكر ابن القيم ومن أراد الرجوع الىالموضوع مفصلا فهو في الطب النبوي،ص 51 أما الواقع الذي نعيشه وعاشه غيرنامن المعالجين لهو اكبر وأكثر من أن يحصى عددا وكما، ولكن ليس كل الحالاتالتي يعالجها المعالجون هي تلبس وجن. فما نسمعه هذهالأيام من لغط حولارجاع كل مرض الى الجن و المس و السحر و العين فما هو الاسفه وقلة علموجهل مركب. فكثـير من هذه الحالات تعود الى مشاكـل وأمراض قدتكـون عقليةوقـد تكـون عضويـة وقد تكون نفسيـة سببهـا مشاكـل اجتماعيـةوالهروب منمواجهتها، فيلجأ الى المعالجين ظنا من هؤلاء أن الأمر قد يكون عينا أوسحـرا أو تلبسـا بالجن. ونسـأل الله العافيـة من كل سوء لنا و لاخوانناالمسلمينوالمسلمات . آمين